عبد السلام مقبل المجيدي

69

تلقي النبي ( ص ) الفاظ القرآن الكريم

والمقتضى المنهجي لذلك : غرس الاطمئنان على دقة نقل الوحي القرآني من حيث مجيئه في صورة محسوسة ، فلا لبس فيها أولا ، ولا يتطرق القادح إليها بسبب الخفاء ثانيا ، بخلاف الإلهام في كل ذلك حيث يمكن ادعاء ذلك فيه لخفائه . وقد أورد على هذا الحصر أنه قد ثبت مجيء الوحي في غير هاتين الصورتين ، وقد ذكر ذلك ابن حجر - رحمه اللّه تعالى - وأجاب عليه « 1 » ، والجواب الجامع أن يقال : ما ذكر من هيئات أخرى للوحي في ذاته ، أو في حامله لا تخلو من أحد أمرين : أن تكون عامة في الأنبياء وغيرهم ، كالإلهام ، والرؤيا الصادقة ، فليس حولها كلام ، وليس السؤال واقعا عنها « 2 » . أو أنها ترجع إلى أحد الصورتين كالنفث في الروع ، ودوي النحل ، فهو كصلصلة الجرس ، أو تكليمه صلّى اللّه عليه وسلّم لربه تعالى في المعراج فذاك كان بواسطة نقل جبريل عليه السّلام له إلى السماء ابتداء ، وقد قرر الحافظ ابن حجر - رحمه اللّه تعالى - ذلك - بعد - حيث قال : " وقد ذكر الحليمي أن الوحي كان يأتيه على ستة وأربعين نوعا ، فذكرها ، وغالبها من صفات حامل الوحي ، ومجموعها يدخل فيما ذكر " « 3 » . والمراد من هذا الاستطراد تثبيت مجيء الملك بصورة محسوسة حال الوحي بصورة عامة ليغدو مسلما في الذهن : أن الوحي كان يأتيه صلّى اللّه عليه وسلّم بطريق محسوس ، فلا يطرأ عليه احتمال التخييل « 4 » . . . وأما الوحي القرآني فقد كانت الاحتياطات فيه أشد من حيث إنزاله على القلب « 5 » .

--> ( 1 ) انظر : فتح الباري 12 / 436 ، مرجع سابق . ( 2 ) لكن قد قال البعض بالفرق بين رؤيا الأنبياء وغيرهم ، فرؤيا الأنبياء وحي لا يدخله خلل . انظر : فتح الباري 12 / 439 ، مرجع سابق ، وعلى كل فالوحي القرآني قد كان أكثر احتياطا من أن يكون رؤيا منام ، كما يلاحظ في عرض هذا الفصل وفيما يليه . ( 3 ) فتح الباري 1 / 24 ، مرجع سابق . ( 4 ) انظر : الفصل الخامس - المبحث الأول من هذه الدراسة . ( 5 ) انظر : الفصل الثالث - المبحث الثاني - المطلب الثاني من هذه الدراسة .